عاشوراء والأشهر الحُرُم
١٥ محرم ١٤٤٨ هـ
موسمٌ من مواسم الخير: شهر الله المحرّم، وفيه يوم عاشوراء الذي يُكفّر صيامه السنة الماضية. هذه صفحةٌ مختصرة موثّقة من الصحيحين وفتاوى ابن باز وابن عثيمين واللجنة الدائمة.
الأشهر الحُرُم
الأشهر الحُرُم أربعةٌ خصّها الله بالتعظيم والتشريف. قال تعالى:
﴿إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِندَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتَابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ۚ ذَٰلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ ۚ فَلَا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنفُسَكُمْ﴾
— التوبة: ٣٦
وبيّنها النبي ﷺ بأسمائها في حجّة الوداع:
«السنةُ اثنا عشر شهرًا، منها أربعةٌ حُرُم: ثلاثٌ متوالياتٌ: ذو القعدة، وذو الحجة، والمحرّم، ورجبُ مُضَرَ الذي بين جُمادى وشعبان».
— متفق عليه
لماذا سُمّيت حُرُمًا؟ لِعِظَم حُرمتها؛ تحريم القتال فيها، وتأكُّد النهي عن الظلم والمعاصي، وعِظَم الإثم فيها.
مضاعفة الأجر: قال ابن عباس رضي الله عنهما: «اختصّ الله أربعة أشهر جعلهنّ حُرُمًا، وعظّم حُرماتهن، وجعل الذنب فيهنّ أعظم، والعمل الصالح والأجر أعظم». وذكر الشيخ ابن عثيمين قاعدة العلماء: «تتضاعف الحسنة في كل زمانٍ ومكانٍ فاضل».
شهر الله المحرّم
هو أول شهور السنة الهجرية، وأحد الأشهر الحُرُم، وله مزيّتان خاصّتان:
١. أفضل الصيام بعد رمضان:
«أفضلُ الصيامِ بعد رمضان شهرُ الله المحرّم، وأفضلُ الصلاةِ بعد الفريضة صلاةُ الليل».
— رواه مسلم
قال النووي: فيه تصريحٌ بأن المحرّم أفضل الشهور للصوم. ونبّه ابن عثيمين إلى أن المراد الإكثار من التطوّع فيه، لا صيامه كاملًا؛ فإن النبي ﷺ لم يصم شهرًا كاملًا غير رمضان.
٢. أضافه النبي ﷺ إلى الله: قوله «شهرُ الله» إضافةُ تشريفٍ وتعظيم، ولم يُضف النبي ﷺ شهرًا إلى الله بهذا التخصيص إلا المحرّم.
يوم عاشوراء
هو اليوم العاشر من شهر المحرّم. وسبب صيامه شُكرٌ لله على نجاة موسى عليه السلام:
قَدِم النبيُّ ﷺ المدينةَ فوجد اليهودَ يصومون يوم عاشوراء، فقال: «ما هذا؟» قالوا: هذا يومٌ نجّى الله فيه موسى وقومَه، وأغرق فرعونَ وقومَه، فصامه موسى شُكرًا. فقال ﷺ: «فأنا أحقُّ بموسى منكم»، فصامه وأمر بصيامه.
— متفق عليه
فضله:
سُئل النبي ﷺ عن صوم يوم عاشوراء فقال: «أحتسبُ على الله أن يُكفّرَ السنةَ التي قبلَه».
— رواه مسلم
فضلٌ عظيمٌ في عملٍ يسير. وبيّن أهل العلم — ومنهم اللجنة الدائمة — أن المُكفَّر هو الصغائر؛ أما الكبائر فلا بدّ لها من توبةٍ خاصّة. ولهذا قيّده الشيخ ابن باز بقوله: «إذا خلا من الكبائر».
حكمه: سنّةٌ مستحبّةٌ مؤكّدة، وليس واجبًا. قال ﷺ: «هذا يومُ عاشوراء، ولم يكتب الله عليكم صيامَه، وأنا صائمٌ، فمَن شاء فليصُم، ومَن شاء فليُفطر».
مراتب صيام عاشوراء
أرشد النبي ﷺ إلى مخالفة اليهود بألّا يُفرَد العاشر وحده، فقال في آخر حياته: «لئن بقيتُ إلى قابلٍ لأصومنّ التاسع» (رواه مسلم). والمراتب من الأكمل إلى الأدنى:
صيام التاسع + العاشر + الحادي عشر (أو يومٌ قبله ويومٌ بعده).
صيام التاسع + العاشر (تاسوعاء وعاشوراء).
صيام العاشر وحده. قال شيخ الإسلام ابن تيمية: «صيامُ يوم عاشوراء كفّارةُ سنة، ولا يُكره إفراده بالصوم».
توصيات عملية
- ✦في شهر المحرّم كلّه: أكثِر من صيام التطوّع والطاعات، واحذر المعاصي فإثمها مضاعف.
- ✦في عاشوراء: صُم — والأكمل صيام تاسوعاء وعاشوراء معًا، أو تضيف الحادي عشر.
- ✦استحضر النيّة: شُكرٌ لله على نجاة موسى، واقتداءٌ بالنبي ﷺ، ورجاءُ تكفير ذنوب سنةٍ ماضية.
والله تعالى أعلم، وصلّى الله وسلّم على نبيّنا محمد.